دليلك في الشوطوكان

مجموعة للتواصل لتبسيط مفاهيم الكاراتيه شوطوكان بالمغرب
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  مكتبة الصورمكتبة الصور  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 الكي (الجزء الثاني و الأخير)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Abdel
Admin
avatar

عدد المساهمات : 310
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 06/07/2016
العمر : 66

مُساهمةموضوع: الكي (الجزء الثاني و الأخير)   الثلاثاء سبتمبر 13, 2016 2:36 am

الكِي و الذِّهن
لقد تطرّقنا في عدّة مناسبات إلى تلاحم الذّهن والجسد ، هذا التلاحم   يؤدي إلى مضاعفة طاقتكم التي يمكن أن تتجسد في الميدان الفكري كما في الميدان البدني  . جودة الكي لديكم هي إذن مرهونة سوِيَة بقدراتكم البدنية والنفسية . حقيقة أن عند الإنسان المتحضِّر تبقى القوة البدنية هي الملاذ الأخير  ، الكي موظَّف بالأساس  بالأنشطة الذهنية . لكن هذا لا يعفيكم من تنمية القدرات البدنية لأنه ، كما رأينا من قبل في مقالات أخرى ، يحتاج الذهن إلى جسم فعّال ليستطيع عطاء كل ما عنده ، كما أن القوة البدنية محتاجة لدعم الذهن الحاذق لتنفجر بغزارة.

هل يمكن لهذه الآلة البدنية العجيبة التي أوْجَدْتم  لنفسكم أن ترضى وتقنع بذِهن لا يرقى إلى مستوى قدراتها ؟ بالطبع لا ! لذلك وجب صقل الذهن بنفس الحِدّة التي تَمَّ بها صقل الجسم . 

إن جودة العناية التي تغدقونها على جسمكم لا بدّ وأنها تعود بالخير على الدماغ ، لكنها لا تضمن الإشتغال المتناسق للذهن ,
لنوضّح أهدافنا :

جسم الإنسان ليس هدفه الرئيسي هو حمل كميات هائلة من الأثقال أو العَدْوْ بسرعة الفهد أو تجديف (مجاديف الزورق) بقوة القاطرة  . إن المبالغة في تنمية العضلات  تكون على حساب دقّة الحسّ و ردّة الفعل . الذهن كذلك يتبع نفس المنحى . إنه ليس وسيلة للتخزين ( المكتبات أو الأقراص المُدمجَة كافية لذلك ) ، وليس حاسوبا عملاقا ( الحواسِب تقوم بهذا الدور بفعّالية).

الجسم الرشيق و القوي، والذهن الحادّ و المتنوّر يضمنان قدرة هامة على التفتح ، لكن المبالغة في التراكم ( الذهني أو العضلي ) ستكون على حساب الدّقّة والرِّقّة و الوضوح .  غير أن هذه الخصال ضرورية للكي الذي بدوره لا يمكن اختزاله في مبدأ القوة إلا عند الشخص الفَظّ ،الأبْلَه.
هناك إذن خصلة أساسية تهم الفكر و الجسد معا  و هي الحِسِّية (القدرة على إدراك أصغر  تنشيط و الإجابة عنها بطريقة ملائمة و متدرّجة) لأنها تُرهِن جميع الخصال الأخرى.
المشكلة مع الذهن  هو أنه يخطأ بسهولة على طول الخط .  يجب ربط ذلك بعواقب العواطف و التدجينات التي تُحرّف الإدراكات  .  مع جسد وذهن حِسِّيَين  سيكون الباب مفتوحا أمام ردود الفعل العشوائية من طرفنا .  مثلا خُدِع و مراوغات الخصم ستصبح لنا منبعا لِمِحنة كبيرة . نتيجة لذلك ، إذا كان على الذهن أن يكون حِسّيا ، فعليه أن يكون كذلك رهن إشارتنا للإستجابة الفورية للطلبات الخارجية المختلفة ، و كذلك أن يكون بصيرا لكي لا يخلط  بين الأشياء .
جاهزية الذهن معناها أن يكون فارغا . لكن إفراغه ليس بالهيّن لأنه يصعب طرد الأفكار الإستنتاجية أو الإستدلالية .  حقيقة أن هذا ليس هو الأصعب ، وإنما هناك الإنفعالات و الخوف و الحِقد و الغضب ، وغيرهم ، و كلها أشياء تُثْقِل الذهن بصفة مُخادِعة. رغم ذلك يمكن إفراغ الذهن ، خاصة إذا كان هذا الهدف مرحليا.

التبصّر يقتضي رؤية حقيقية للواقع ومعالجة  مُكَيَّفة لهذه الرؤيا .  إذا كانت جاهزية الذهن الفارغ تسمح بهذه المعالجة ، فإنه من الضروري أن  لا تُزيِّف العادات الاشعورية واقعية الملاحظة  حتى نتمكّن من إدراك الأمور بوضوح .  إذن يجب محو تلك العادات الاشعورية .  مع الأسف ، في خِضَمِّ العمل ، لا يمكن طردها لأنها بطيبعتها غير شعورية .  هذا يستوجب عملا قَبْلِيا ، شاقّا ومؤْلِما ، لإبراز وإظهار تَبَعِيتنا لمجموعة هائلة من العادات الاشعورية . مع الأسف قليلون من هم يكملون هذا العمل النَّفْعي الذي أوصيكم به (أنظر المقال حول توصيات الحكيم جِدُّو كْريشْنامورْتي) .
مع ذلك يمكن للتدريب في الصالة أن يُخَلّصكم من المُزْعِجة منها في إطار تمارين المواجهة.

من أجل البحث عن جاهزية الذهن و التبصر تُشكِّل كل أنواع الكوميطي  تدريبا ممتازا .  مع الأسف ، يبحث معظم المحاربين عن التقدّم بدنيا وتقنيا ولا يتصورون أدنى إمكانية تطوير العمل الذهني . هذا مُحزن لأنه في هذا الميدان كل واحد لديه احتمال كبير للتقدم.
في الغالب ، تبدأ المواجهة بذهن مُنشَغل : تخوّف ، غضب ،انتقام ، أفكار مُسبَقة ، أفكار تقنية أو تكتيكية ، ارتباك .  هذا شيء عادي بالنسبة للمبتدئ ،  لكن أصحاب المستويات الأعلى يجب عليهم تغيير هذه المقاربة الذهنية للمواجهة .

في مواجهته لأي مِحْنة ، يجب على الذهن أن يكون متفرّغا بالكامل حتى يستطيع التغلّب على تلك المِحنة . هذا التحكّم التام في الذهن شيء نادر.
بعض الإخوة يعارضونني بالقول بأنهم يدخلون غالبا في المعركة بهدوء و بدون أي أفكار مسبقة . هذا صحيح ! إنهم هادئون في المواجهة بدرجة  يصعب معها تسمية التمرين بالمواجهة !

خلال المواجهة عند التمرينات  ، لو نسي الشريك ، الذي يكون غالبا من مستوى أدنى ، لو نسي  الحِدَّ ة المُتَّفَق عليها في تسديد الضربات و قام بتضخيم قوتها ، فهنا يبدأ صراع حقيقي  . أي ملاحظ متبصّر سيظهر له أن الذهن  لأحدهما ليس فارغا بل ممتلئ بعزيمة قوية لإحلال  النظام التّسَلسُلي  [ صاحب الأعلى مستوى يفرض وضعيته على من هو أدنى مستوى للحفاظ على ماء الوجه ] . هذا لا يؤدي إلى النتيجة المتوخّات  لأنه مع ذهن منشغل ( إذن بطيئ و سادج ) تتقلص سرعة ردّ  الفعل  وتصبح خُدَع الخصم مُباغِتَة . 

خلال فترة التعلُّم ، أي تغيير يطرأ على التقنية أو على إدارة الذهن  يؤدي إلى تراجع في التّعلّم . يجب قَبول هذا التراجع  مِن أجل التقدّم إلى الأمام مُستقبلا .
البدء في المواجهة بذهن فارغ ، هذا أمر سيُرْبِككم في الأول . ستحسّون أنكم لا تدْرون ماذا يجب فعله . سيكون من الصعب الإحتفاظ  بفراغ الذهن كيفما كانت الظروف . لكن ذلك هو الطريق الصحيح ،  بل الطريق الوحيد نحو امتلاك جودة في الملاحظة تسمح بمواجهة كل مكائد الخصم .
لكن ،  كيف يمكن أن يكون الإنسان حازما مع ذهن فارغ ؟  أليس الحزم نوع من التفكير ؟

عندما تتّجهون إلى النّادي للتدريب ، هل أنتم ملزمون بتكرار قرار الذهاب خلال كل  المسافة ؟ لا ! ، القرار الصائب يُتَّخد مرّة واحدة .  ربما سبق لكم أن أخذتم قرارا بقليل من الجدّية ثم نسيتموه . إذا كانت حياتكم كلّها فوضى ، فلا تستغربوا من العيش  في قلق دائم . النظام هو أساس السّكينة .  بذلك يتم فعل الشيء دون إعادة النظر في الإختيار الذي بُنِي عليه .

عندما أتكلم عن النظام ، لا يتعلّق الأمر بترتيب الإنسان لأغراضه أو برمجة لقاءاته بطريقة ذكية . هذه أمور تسهّل الحياة . الأهم هو توضيح التوجّهات الكبرى لوجودكم ، ومحتواها المعنوي و الفلسفي . إذا كنتم بارعين في النّصب و الإحتيال ، فمن الصعب عليكم أن تكونوا مستقيمين ، عادلين ، صريحين ،  متواضعين وعَطوفين كما توصي به مبادئ البيدو (فن القتال).

خلال التدريب ، ليس صعبا أن يكون المرء متحفّزا في الكوميطي .  أنتم هناك من أجل التحسّن و من الطبيعي أن يقدِّم الإنسان كل ما عنده من أجل الوصول إلى النتيجة المرغوبة مع بطبيعة الحال احترام تقاليد النادي : ضمان السلامة الجسدية للشركاء ، عدم الوقوع في المواقف العاطفية .
زيادة على ذلك ، فإن انخراطكم التام في التدريب يُجنِّب لشريككم تصديق فعالية هي في الواقع وهمية ، وهذا شيء مُضِرّ به.
عندما تنطلق المواجهة ، لا حاجة بالتذَكُّر كل عشر ثواني ماذا يجب القيام به . بالعكس ، اطرُدوا أي فكرة و اتركوا المواجهة تمُرّ دون تدخل الأنا .  الأنا هو الذي يخاف ، يريد السيطرة ، يخلق مناورات دون أخد الخصم بالإعتبار ، إلى آخره .

لا تَبْنوا أي تكتيك أو استراتيجية ، لا تفكروا  في أي تقنية .  سيأتي كل هذا تلقائيا بفضل ردود الفعل الاشعورية التي تَمَّ بناؤها مع مرِّ الزمن .  وجِّهوا لخصمكم اهتماما خاصا و اكتَفوا بترك جسمكم يتجاوب مع ما ترصدون  . على الخصوص ، لا تتركوا التباري ( الحاضر بقوة في الزمان والمكان)   يجتاحكم . التباري له هدف واحد : الفوز .  الفن الحربي له هدف واحد : عدم الخسارة ، ولذلك فهو من جميع النواحي مختلف تماما عن التباري .
كونوا  قنوعين إذا ، أمام خصم جامح و مُتِّقِد ،استطعتُم صَدَّ أو تجنُّب كل هجماته .  لم تستطيعوا التسجيل عليه ؟ هذا ليس مشكلا ! سيأتي رد الفعل الا شعوري مستقبلا . إذا أردتم التسجيل عليه بأي وجه كان رغم أن ذلك ليس في استطاعتكم  ، فستُشْغِلون ذهنكم بأشياء ، و النتيجة أنكم لن تستطيعوا حتى صدّ أو تجنّب هجماته.

هذا النوع من التجرّد لا يمكن اكتسابه بين عشية وضحاها ، لابد من الإنتظار. أصمدوا بعض الثواني  في إفراغ الذهن ، ثم مدّ ة دقيقة ، ثم مدة مواجهة كاملة .

الذين لا يستطيعون إفراغ الذهن ، عليهم باستعمال التنفس العميق هذا من أفعال المُمثلين المسرحيين لتفادي  الرَّهبَة (أو الوَهَل) . لكن يتيح كذلك طرد جميع الأفكار . إذا استطعتم الإبتعاد عن ثرثرة الأنا ، فستكون الفائدة أكبر من التي يُوَفِّرها الإمتياز البدني .
أما عن العادات أو المعتقَدات اللاشعورية ، فلنأخذ أمثلة منها  عند المبتدئين في البيدو :

• الخضوع أمام رمز للسلطة (طبيعي عند الأطفال ، هذا التصرف يستمر عند بعض البالغين ، خاصة النساء)
• الذعر من المجهول
• الإيمان بخصال بدنية أو ذهنية عُليا (أو دُنيا) عند بعض الإثنيات العِرْقية .
• عقدة نقص إزاء قامة قصيرة (أو العكس)
• التراجع التلقائي إلى الخلف عند كل هجوم من الخصم
• الثقة أو عدم الثقة المُسنَدة مُسْبَقا  (لعنة الوجه المُخيف)
• اليقين بأن درجة عليا من الحزام الأسود تخوِّل تفوقا مطلقا .
• إلى آخره .


ليس هناك معجزات  ، بل تدريب مستمر على القضاء على التصرفات المُعيقة بفضل تمرينات و مواجهات تساعد على تهْوين الإنطباعات الأولى (التي تملئ الذهن ) ، مع التحلّي بالصبر .

حياتكم الآن مُرتَّبة حسب مسار البيدو (فن القتال) ، قراراتكم  صحيحة وصارمة ، وتنخرطون في النشاط بدون تردّد . ربما تنخرطون بقابلية أكثر أو أقل لأن ظروف الحياة لا تسمح لكم دائما بتحقيق آمالكم . عندا تكونون ملزمين بتنفيذ عمل روتيني ، فإنكم تنفذونه  لضرورته مع الرغبة في إنهائه في أقرب وقت . لو غمركم  في نفس الوقت شك في ضرورته فإن حماسكم سيكون ضعيفا، وهذا شيئ طبيعي .

لكن ، عندما يكون القرار صائبا وغير قابل للنقاش، لمذا التهاون في نشاط يجب القيام به على أحسن ما يرام ؟  لو دخلتم في مواجهة  لأنها الحل الوحيد لفرض القانون  (إغاثة شخص مُعتدى عليه مثلا) ،  سيكون من الطبيعي استغلال كل الإمكانات التقنية و البدنية والذهنية .  في هذه الحالة ليست القضية قضية حماس أو  عزيمة (إنهما موجودان ) بل هي قضية جاهزية الذهن و المستوى التقني .  لنتذكر ما كان يقوله الأستاذ جوشو ياماموطو (1659 – 1719) في كتابه " ها ڭاكور" : " الساموراي لا يفكر لا في الانتصار ولا في الهزيمة ، بل يكتفي بالمحاربة كالمجنون حتى الموت . عند ذلك يتحقَّق له الإنتصار " .

هذا الجانب من الكي هو الأكثر تثمينا للشخص و أكثر نُبْلا .  لكن حذاري ، في حالة الشك ،  عندما لا يتجلى المشكل و الحل بوضوح ( وهذا معناه وجود نوع من الفوضى في  وعيكم) أو كان لديكم شك في قدراتكم الحربية ، فمن الأحسن تفادي حدوث كوارث .   الإلتباس الذهني يشبه إلى حدّ كبير احتزام القط من وسطه (كما ذكرنا في مثال سابق) بحيث أن الإلتباس يُحْدِث أُفولا للكي (إنجرافه) .  لو ، رغم ذلك ، تجاوزتم الأمر ظنّا منكم أن حركتكم ستكون بطولية ، لن ينفع ذلك في شيء بالنسبة للكي ، بل ستجرّون عليكم مشاكل  . تجنبوا على الأقل جرّ شخص  آخر من المحيط في هذا التصرّف (الضحية مثلا ). القرار الصّائب يجب أن يظهر لكم من خارج عملية التفكير، كما لو كان مُضاء بنور ملاحظتكم الثاقبة .

لا وجود للفكرة الواضحة في التدبير المستعجَل للأحداث في  الميدان السيكولوجي .  إذا كنتم تؤمنون بذلك ، فأنتم تغالطون أنفسكم  . أي فكرة ، كما سبق أن أكدنا عليه ، تشوّش على الملاحظة . غير أن الظواهر الملحوظة في العلاقات البشرية هي ظواهر دينامية لا تتوقف حتى تترك لكم الوقت للقيام بالتفكير .  بمجرد التفكير، تطمسون جزءا من بقية الظاهرة . في حالة الإستعجال و السيكولوجية ، التفكير هو إرتباك . إنَّ تناوُل مشكل عويص ، عاجل و مصيري بذهن مرتبك هو شبه انتحار .

إن الأُسُس الجوهرية للكي عندكم يمكن أن تكون صلبة ، لكن بفعل ارتباك ذهنكم ، سوف لن تعلمون كيفية توجيهه. هذا تبذير، وأترك لكم تصوّر العواقب .

يجب أن تُدَرَّس مفاهيم البودو (أو البيدو ، فن القتال) بنفس الدّقة و الإنضباط عند تدريس التقنيات . أولائك الذين يصوغون فلسفة للحياة متماشية مع هذه القِيَم الحربية لن يجدوا أدنى مشكلة في الإنخراط التام في العملية التي يأمرهم بها بوضوح ضميرهم  كمحارب .

غير أن هذا الهدف هو هدف مثالي يصعب تحقيقه لأن العقبات متعددة : أنت تريد أن تكون عادلا ، لكن يدفعونك نحو المحسوبية ، أنت في الأصل صريح ، لنكن يلزمونكن بأن تُخفي بعض الوقائع ، أنت معروف بالإستقامة ، لكن يريدونك أن تكون دبلماسيا  في تصرُّفك ، تواضعك طبيعي ، لكنه  يزعج مصالح زملائك . إنَّ عالم الشغل هو الأبعد من أخلاقيات البودو . كثير ما نسمع عن " تخليق عالم الأعمال و السياسة " ، لكن الورش شاسع  ومازال في بدايته .
كيف التصرّف عندما نتمنّى الإنخراط في فلسفة البودو  رغم المتطلبات المتضاربة للوسط المهني ؟ في مواجهة هذا المشكل ، قام البعض بكل بساطة بتغيير المهنة . هذا ليس سهلا ، ولكن لا يوجد حل سهل التطبيق .

على كل واحد أن يجد طريقه ، مع العلم أن تدبير المتناقضات الأخلاقية أو الفلسفية هو أفضل وسيلة لإفساد الحياة ، والكِي بنفس المناسبة .
من الأحسن تَقَبُّل بعض التضحيات  و تنسيق المبادئ التي تنير لكم الطريق . إن السكينة ليس لها ثمن ، مهما كان باهظا  .
الكي لديكم يتم تعديله من طرف الذهن ، غير أن الذهن القوي لا يعوّض أبدا الجسم الضعيف ، والعكس بالعكس .
إن تناسق الكي لا يرتكز على حلّ وسط ، بل على البحث عن أفضل عطاء  وظائفيا وذهنيا ، أييُّ تفاوت سيكون ضارّا .
حقيقة أن ممارستكم الحربية قادرة إلى حدّ ما إنعاش الكي الذي أضعَفه مشكل بدني أو سيكولوجي . غالبا ما نشعر بأننا في أحسن حال في نهاية التدريب و ليس في بدايته .  لكن ، نظرا لما نتعرّض له من نكبات الزمان ، فمن الأحسن أن لا نزيد على ذلك ما لا طاقة لنا بتحمّله . علينا ألا نفعل كما فَعَلت بينيلوب في بحثها عن أوليس : الهَدم ليلا لما بنيناه نهارا . إذا كان ذلك مجرد حيلة عند بينيلوب للعثور على أوليس ، فبالنسبة لكم سيكون ذلك تقصير سيُضيّع عليكم تناسق الكي .

كِي  قوي ، من أجل ماذا  ؟

إن ذهنكم الأن مُرتَّب ، دقيق ، ومؤَطَّر  بالمفاهيم  الأخلاقية للبودو، التي هي  بالمناسبة لا تختلف عن مفاهيم نُبْل الفرسان في القرون الوسطى أو عند النبلاء في ذلك الزمان. إنكم الآن تستطيعون جعله جاهزا . وجسمكم أصبح أداة رائعة وفعّالة . و تقنيتكم الحربية أصبحت تخوّل لكم فعالية رهيبة . كما أن عزمكم أصبح كاملا و صريحا . وبذلك يكون الكي لديكم  بلغ دِرْوته .

ولكن ، في غير حالة الضّرب بقوة و بحكمة ، وهذا في حدّ ذاته مكسب رفيع ، لماذا ستصلح لكم هذه الأداة الممتازة التي هي الكي  ؟
الكي القوي له عدّة مزايا ، وأهميته لا تنحصر في الفن الحربي .

أولا ، إنه يخوّل لكم صحّة جيدة لأنه مع تقدّم السّن يكتسب هذا المُعطى قيمة أساسية . عدد كبير من الممارسين اتّجهوا تدريجيا نحو ممارسات أكثر طاقية منها رحبية . مثلا الأستاذ كانجي طوكيتزو وأسلوبه " طوكيتزو- رْيو " ،  أو الأستاذ يوشيناوُ نانْبو وأسلوبه " نانْبودو " الذي يهتم نصف تعليمه  بتجديد الكي .

غير أن الكاراطي التقليدي يوفّر كذلك ميزات طاقية ولو أن ذلك ليس هو هدفه الرئيسي . لو خصّصتم حياتكم كلّها للفن الحربي مثل الأستاذين طوكيتزو أو نانْبو ، يمكنكم آنذاك تخصيص نصف الوقت للعناية بالكي . أما و أن تمارسوا سُويْعات في الأسبوع ، فأن خصم نصف الوقت المخصَّص للتدريب سيكون له عواقب وخيمة على ميزاتكم الحربية .

أظن أنه بعد عدة سنوات من الممارسة  ، ستُدرِكون الجوانب الطاقية لفنكم الحربي المعتاد ، وبذالك يمنكم الإشتغال  عليها بالخصوص دون الحاجة إلى إدخال أسلوب جديد في ممارستكم . ثم ، كما رأينا في أول المقال ، عدة لحظات من التدريب الواحد هي فًرَص سانحة لتنمية الكي بفضل الإنتباه الدقيق لحركاتكم ، بما يتيح لكم التحسُّس بالعوائق التي تمنع تدفّقه الحرّ وبالتالي طردها .

ثانيا ، الكي هو الدينامية ، والدينامية هي لذّة العيش . كنتُ سأقول " هذا شيء مُسلَّم به ، لنمُرّ إلى شيء آخر ! " ولكن هذه نقطة مهمّة تستحق أن نقف عليها بعض الوقت . إذا كان كل شيء يرتكز على الكي ، لماذا لا نستثمر نفسنا كليا في تنمية الكي بممارسة " الكي ڭُنْڭْ "  أو أسلوب مشابه ؟
قبل كل شيء،  إن أهمية فن من الفنون الحربية لا تحتاج إلى دليل .  ثم  إن أَتْباع التقنيات الطاقية المحضة ، الذين لا يمارسون فنا حربيا في نفس الوقت أو أي نشاط دينامي  ، لا يستطيعون إقناعي بتفوق الكي لديهم . يبدو لي أنهم لا يعرفون ما العمل بهذه الطاقة المحتملة التي يُنَمّونها افتراضا . بينما أي محارب يحسّ في الحين  بالفائدة الناتجة عن كِي مَتين و لطيف في نفس الوقت .

يمكن مقارنة الكي بعمل الدماغ . لا يوجد ذكاء محض. إن تجلي الذكاء يظهر فقط عند تحقيق عمليات إلى حدّ ما معقدة . يتوفر الدماغ على نوع من الرصيد ، لكنه ليس ذكيا عندما لا يفعل شيء . في هذه الحالة يقتصر نشاطه على تدبير  النظام العصبي الذاتي . بطريقة مماثلة، يتجلى الكي في النشاط، أكان نشاطا جسديا أم سيكولوجيا . خارج هذه اللحظات ، خلال النوم مثلا ، الكي المحتمَل هو الوحيد الذي يمكن الإشارة إليه . الكي ، مثْله مثلَ الذكاء ، لا يتّضح إلا في الفعل .  حقيقة أن هذه المعالم للكي مهمة لأن عافيتنا رهينة  بجودتها . لكن بحثُنا هذا لا يهدف فقط  إلى إصلاح الكي الذاتي (الذي يتحكم في نشاط الأعضاء و الأوعية الداخلية للجسم ) والاقتصار على هذه النتيجة التي تعني البقاء على قيد الحياة ، بل الوصول إإلى تفتّح داخل عالم غني وعارِم وعُدْواني في غالب الأحيان ، مما يتطلب نوع من الكي دينامي ، قوي و لَبِق .

الفن الحربي يحمل في طياته أهدافا عديدة تسمح ببزوغ و تنشيط الأوجه المختلفة للكي . الدينامية الذاتية للفن الحربي لا يمكنها أن تشتغل في مسار مُغْلَق . هناك انفتاح واضح نحو اندفاع إلى ملذّات الحياة .

صراع الأكياي (جَمْع كي)  

من بين أنواع المزايا التي يُوَفِّرها الكي القوي، هناك واحدة مَبْحوث عنها  بصفة خاصة من طرف الممارسين للفن الحربي  وهي التّفاعُل بين الأكياي وخصوصا إمكانية السيطرة على الخصم قبل حصول أي تلامس جسدي . غير أن هذا النوع من تجلّي الكي هو الباب المفتوح أمام كل الأوهام و المبالغات بل وحتى  لكل أنواع النصب و الإحتيال الأكثر وقاحة .

مثال : عَرْض مدرسة للفنون الحربية : بعد تركيز طويل و عميق ، مُزَيَّن ببعض الحركات التهريجية ، يسقط التلاميذ الواحد تلو الآخر بفعل الأستاذ الذي لم يَمُسَّهم ولو مَسَّا خفيفا . يتبع ذلك شرح لهذا الأمر : كي الأستاذ  و كي التلاميذ اشتغلا مثل قطبَيْن مُمَغْنَطَسَيْن لهما نفس التقاطب وبالتالي صَدَّ كل واحد منهما الآخر . إذا لم يُسْقِطك الأستاذ ،  فمعناه أن الكي لديك ضعيف. في هذه الحالة، بعض السنوات من التدريب معه ستجعلك تكتسب هذا الكي الخيالي، الذي هو مصدر الصحة والتفتّح و الإشعاع .

هو إذن عرض و خطاب مُتْقَنيْن (لأنني من غبائي كنتُ سأظن أنها خدعة بما أنني لم اُسْقَط !) يمكّنان من إسقاط بعض المُغفّلين في الفخ . ولكن هل نترك  من شيء لا نفعله حتى نخرج من وضعيتنا البئيسة ؟

حقيقة أن بعض التلاميذ لهم الإحساس ، بأقل أو باكثر، بأنهم فعلا أُسْقِطوا . لكن بعض " الحُكماء " ( ڭُو رُو :  مرشد طائفة ) يستطيعون الوصول بأتباعهم إلى حدّ الإنتحار الجماعي ، إذن هذا الإستعباد للإرادة ، الذي يبقى ممكنا ، يكون ضررّا خفيفا .  أمام هذه التصرفات ، البعض مُرتاب و البعض الآخر لا مبالي أو حتى متسامح . إلا أن  هؤلاء " الحكماء " يُحدثون أضرارا جسيمة  ويجب نعْتُهم بحقيقتهم : إنهم مشعوِدون ونصّابون .
لن يُخَوِّل لكم الكي أبدا موهبة التواصل بالتخاطُر و لا موهبة التحريك الذهني . إذن ، إذا حصل رغم ذلك تفاعل ، فكيف يحْدُث ؟
يجب أن نميّز بين إدراكنا الحِسّي للخصم وبين التأثير الذي يمكن أن يكون لنا عليه .

إن تعابير الوجه عند الطفل الرضيع تتّسم بتقاسمها كوْنِيا ( راجع أبحاث جاكوب شطيِنيِر ،أخصّائي إسرائيلي في علم النفس والفيزيولوجيا ) .  حتى وإن  كان أعمى ، فإن الطفل يقوم بنفس تعابير الوجه مثل  مُجانِسيه . الخوف و الإشمئزاز أو  الإرتياح  تُقرئ بنفس الطريقة على وجه  جميع رُضَّع العالم . من طبيعة الحال ، هذه التعابير الخارجية عن الحياة الداخلية تستمر و تَغْتَني عند البالغ ، لكن بتفاوتات متّصلة بالتربية والثقافة .  جميع المشاعر تتّضح من خلال الصّوت وتترجمها حركة بدنية نفهم معناها من خلال تعبير الوجه و تغيير إيقاع التنفس و الوضعية العامة. إن حضاراتنا بارعة في فنّ الإخفاء .
المظاهر هي قاعدة للحياة . رغم ذلك ، في الأوقات الصّعبة ، عندما تفوق المشاعر حدّا مُعَيّنا ، فإن التمويه يصبح صعبا ، وبذلك تظهر ترجمة تلك المشاعر على المستوى البدني .

الإنسان الذي لا تغمره اضطرابات الأنا ، والذي يكون ذهنه فارغا ، يستطيع بسهولة ملاحظة التغييرات البدنية والصوتية الناتجة عن المشاعر التي تخالج شخصا آخر . هذا  ليس صعب المنال ، بل يتطلب تعلُّما .

إن التجّار يتعلّمون الإصغاء إلى الزبون الذي هو في طور اختيار البضاعة ، لأن الزبون يقدّم لهم بدون شعور جميع المفاتيح لإنجاح عملية البيع . يمكننا إذن ، انطلاقا من هذا النمودج ، الإقتراح على الممارس بأن يكون أكثر انتباها لخصومه.
هذا صحيح جزئيا لأن المحارب ، خلال المواجهة ، يكون أحيانا مضطرّا لتدبير مشاعره الخاصة التي قد تكون حادّة (مثلا في حالة هجوم مسلّح) .  قد يكون انتباهه في وضعية صعبة . فمِن تَمَّ  وجب اللّجوء إلى الذهن الجاهز و الفارغ لأنه لا يبالي بالمشاعر.  لكن ذلك مع الأسف يتطلب عملا شاقا إذا أردنا نتيجة دائمة .  لِحُسن الحظ ، يمكننا تحقيق فراغ الذهن بصفة مرحلية و هي حالة تتنمّى أولا في الموكوزو ( التأمّل ) ، ثُم في الكيهون و الكاطا ، وأخيرا في الكوميطي  .

في حالة توفركم على ذهن جاهز فعليا  ، فكثيرة هي الإشارات الصادرة عن الخصم بدون شعور . إلا أنه في حالة امتلاك ذهن غير مُعَبَّئ  بالطريقة المثلى ، فإن ملاحظة الخصوم بصفة اعتيادية و بانتباه كبير ستخول لكم إدراكا لا يستهان به . إذا اقترب منكم شخص و هو يردّد مع نفسه  : " سَؤُكسّرُ له وجهه ! "  ، فإن هدفه مكتوب على هيئته . يكفي النّظر إليه و ستعرفون حتى أي يد من يديه ستنطلق . لا حاجة للجوء إلى التحاور بالخواطر (قراءة ما في ذهنه ، تحاور الأذهان) . كما أن الحركات التحذيرية (التي تسبق الهجوم و تُعِدُّه ) ستظهر لكم مُسطَّرة بسطْرَيْن . لا يمكن إذن مباغتتكم .
عندما يتمتّع الخصم بتحكم كبير في مشاعره ، تبقّى رغم ذلك تغيّرات بَصَرِية بسيطة .  بالنسبة للمحاربين الذكيين ، تُشَكِّل العينين أفضل مصدر للمعلومات . غير أنه في غالبية المشادّات أو الإعتداءات  يًلاحَظ ما يلي :

• التصرّف العام والمواقف تفضح النوايا  رغم المحاولات اليائسة لإخفائها .
• المشاعر تُقْرَئ بوضوح على الوجه لأن تغيّرات الملامح تعبر عنها ببلاغة .
• اللَّهْث (التنفس السريع ) ، بل اهتزازات الصدر و الكتفين و ارتعاش اليدين ، أشياء تظهر عندما يحسّ الخصم بانفلات الوضعية منه ، كلّها تشير إلى درجة التأزّم  والنّرفزة  لَدَيْه .
• التحركات القَبْلِية ( أو الإستعدادية للضرب) تكون ظاهرة للعيان، وحده الأعمى مَن لا يستطيع  كشفها

لا ننس الصوت لأنه يحمل عدة معلومات . الخطاب كاشف وكذلك النّبرات. كذلك عدة نغمات صوتية ، صادرة بالتقريب شعوريا ، تترجم  المفاجئة ، الخوف  ، الشَّراسة ، إلى آخره .

هذا الإدراك للحالات النفسية و نوايا الخصم ، يُتَدَرَّب عليها بطريقة تدريجية . أوَّلا المسائل الأكثر ظهورا ، ثم شيئا فشيئا المسائل الدقيقة.  لكن لا يجب التسرُّع مباشرة نحو المسائل الدقيقة . الحصول على إشارات لا ندري ما العمل بها  ، لن يفيدنا في شيء .  يجب ربط هذه المعلومات بحركات ارتدادية (بدون شعور) ،  وهذا لن يتأتَّ إلا بعد عمل طويل . 

مثال بسيط  :  بعد مرحلة من الملاحظة عن مسافة قارّة  ، يقوم شريككم بتغيير المسافة و يتموْضع حسب المسافة التي تُمَكّنه من تنفيذ التقنية التي يفكّر فيها . من بين عدّة إمكانيات ، نُعطي مثل ردَّة فعْل ممكنة : تقومون بتغيير المسافة لإرغامه على التخلّي عن فكرته . كل معلومة مُسْتَقاة من تصرّف الخصم يجب أن ترتبط  بواحد أو عدّة  أجوبة محتمَلة . عليكم باللجوء إلى ردود الفعل التلقائية ، التفكير لا يتدخّل . وبذلك يبقى الذهن جاهزا  ولا يمكن خداعه  . ليس هناك أي موهبة غير طبيعية في ما ذكرنا  ولكن  جودة عالية للملاحظة واتخاذ القرار .

إذا كنتم تحاولون تخمين ما يدور في خاطر الخصم ، فهو كذلك يقوم بنفس الشيء . عليكم إذن بإخفاء نواياكم و مشاعركم . عدّة  مدارس يابانية كانت في ما مضى توصي  بتشكيل ابتسامة قارَّة خلال الدقيقتين التي يدوم فيها الكوميطي . هذه الممارسة تبدو في الإنقراض لأنها لم تعط نتائج مُبَرْهِنة . ربما أن الذهن منشغلا كثيرا بالحفاظ على تلك الإبتسامة  السّخيفة . قام  الأستاذ شُوريجُو طانِي (1921- 1998 )  مؤسّس الشُّكُوكاي (فرع من الكاراطي شيطو ريُو ) وتلامذته بإجراء شبه مماثل بوضع أقنعة حقيقية كما في " المصرح نُو"  لتنفيذ الكاطا خلال الإستعراضات . لستُ أدري ما هو بالضبط الهدف المنشود ، ولكن التأثير الجمالي كان معتبَرا ، كما أن الإنطباع بالسرعة كان مُعَزَّزا . حتى عند الممارس من المستوى الجيد ، تبقى بعض التشنّجات الصغيرة للغاية للوجه والتي تسبق الحركات القوية. ممّا يقلّل من وّقْع المباغثة عند تنفيذ تقنية . إن ملاحظة ممارس حامل لقناع تساعد على فهم ذلك .

بصفة عامة ، عدم إظهار أي شيء هو أمر صعب . ابدءوا  بالقضاء على كل الحركات القبلية (أو المُهَيّئة للضربات ) . هذا عمل تقني محظ ، في متناول الجميع  . ثُم اتَّخِذوا ملامح غير معبّرة (سُحْنَة عديمة التأثير ) . إذا كان ذهنكم فارغا ، فأن هذه السُّحْنة الثابتة ستكون طبيعية لديكم ، وإلا  فاختَلِقوها  .
في حالة التعرّض لإعتداء ، إذا كنتم عازمين على تلقين عقوبة للمعتدي ، فمن الممكن التظاهر بالتأثُّر  من أجل تضليل الخصم وجعله يَخْفِض من حدَّة انتباهه. لكن ، في جميع الحالات ، أنصحكم  باتخاذ  قناع طبيعي محايِد لا يجد فيه الخصم أي معلومة و أي نقطة تأثير لصالحه . عكس ذلك ، يجب أن يحُسّ في وضعيتكم عزما لا يتزعزع . إذا كانت أخلاقيات البودو تقود عملكم ، فذالك سيتأتّى لكم بطريقة عفوية .

عندما يحصل الإعتداء عليكم على حين غَرَّة ، يجب التفاعل في الحين للاستعادة مسافة المراقبة  : التخلُّص من المَسْك ، دفاع كلاسيكي   ضد هجوم .  يمكن عند ذلك البدء في ما يسمى  " مواجهة الأكياي " في فن الكانْدُو ( فن المنازلة بالسيف) . هذا من طبيعة الحال إذا لم يتم التخلص من الخصم عند البداية .
هناك عملية رائجة لِسَبْر أغْوار الحالة النفسية للخصم : القيام بحركة على بغتة  تُشبه البدء في هجوم ،  لكن  مع توقيفها بسرعة . هذا يمكِّن ، حسب رد فعل الخصم ، بمعرفة ما هو نوعُه : خوّاف ، هجومي ، سريع ، بطيء ، إلى آخره . يجب عليكم تَعَلُّم التّعرُّف على هذه الخدعة و المناورات المماثلة ( والتمييز بينها و بين التّردّد الذي يُحدِث توقُّفا لهجوم ، وذلك يُسْتَثْمَر بطريقة أخرى ) لكي تستطيعوا ،إن ارْتَأيْتُم ذلك صوابا ، البقاء محافظين على رباطة الجأش خلال حصولها .

بالفعل ، خلال  مواجهة حقيقية ، إن غياب ردود الفعل تبعث الشك في الخصم ، فببدء بالوعي أن  خُدَعَه غير مُجْدِية و الكي عنده يفقد من ثقته .
تجنّبوا استعمال هذه التحديات التي تميل إلى جعلكم عرضة للسخافة و تشتيت الكي لديكم ، خصوصا عند تكرارها. فضِّلوا عِوض ذلك ضغطا بطيئا مع تحرك ضئيل إلى الأمام  (غير ظاهر بسهولة من الخارج ) مع نظرة فولاذية تخترق عَيْنَي الخصم . لا تخرجوا عن هذا التصرّف رغم محاولاته التخويفية . يجب أن يحُسّ بأنه يخضع لتفتيش داخلي ، مَكشوف للعيان. يجب أن يصبح انزعاجه ملموسا .
إن تصرّفكم هذا له عاقبتَيْن متعارضتيْن :

• الشك لدا الخصم ، سببه استحالة إدراك أي مؤشّر يتعلق بكم و صعوبة خداعكم .
• اليقين لدا الخصم بأن عزمكم لن يَفْتُر .

وكل ذلك مُدَبَّر من طرف خصم مُزَعْزَع الكيان . إنسان آخر في محلّه سيكون مذعورا بأقل من ذلك .

المرآت هي أفضل رفيق لكم من أجل التحقّق بين الفينة والأخرى من مهارتكم في  التخلّص من الإنقباضات المُشَوِّشة التي تسبق انطلاق تقنياتكم  ، وفي حجب حياتكم الداخلية . البعض يصبح مُضْحِكا عندما يظن إظهار عزيمة قوية فقط . يجب عليكم العمل على أن تجعلوا  مواقفكم ذات مصداقية .
عندما تضبطون بكيفية صحيحة هذه الإستراتيجية  القتالية ، شرط أن يكون لديكم كي أقوى من كي الخصم ، (وهذا ليس صعبا أمام الأغلبية العُظمى للأوْغاد) ، فباستطاعتكم  إما أرغام الخصم على التخلّي  (لكُم الفوز في هذه الحالة ) و إما الدفع به إلى ارتكاب الخطأ ( تفوزون كذلك إذا كان مستواكم الحربي كافيا ) .

تجدون أفضل مثال لمبارزة الأكياي في فيل من إنتاج " كُورُوزُوَا " بعنوان " السّاموراي السبعة " ( توجد  نسخة رائعة على قُرْص فيديو رقمي ).
لعدة أسباب ظاهرة ، مبارزة الأكياي غير ملموسة بالواضح في صالة التدريب  لأن المتبارزين يعرفون جيدا بعضهم البعض . بالعكس، عندما  يتعرّف الخصوم على بعضهم لأول مرة أو أكثر ، في التباري مثلا ، فإن السيطرة الذهنية  تكون واضحة في بعض الأحيان .
إلا أنه ، في أنواع الكوميطي ، الحالات النفسية و الأهداف للشَّريكَيْن تتشابه إلا حدّ ما . هذا يُبَرهِن على القلة  الواضحة للتأثير الذهني على الخصم .
بالمقابل ، يتغير الوضع في حالة غليان مفاجئ للعنف حيت ليس للخصمَيْن نفس الهدف ولا نفس الدوافع السيكولوجية .

يجب إذن ، خلال التدريب ، إرغام النفس على تقوية هذا الجانب ، ولو أنه لا يتحقق بكيفية جيدة ، لأنه يكون مصيريا عند التعرّض للإعتداء .  إعْتَنوا دَوْما بجاهزية الذهن  وأظْهِروا عزمكم عَلَنا .  منطقيا ، سنلاحظ واحدا مُسَيْطِرا يتقدم إلى الأمام وآخر مُسَيْطَر عليه يتراجع إلى الوراء ، عِلْما أن  هذه الحالة يمكن أن تنقلب خلال المواجهة .  من طبيعة الحال يمكنكم اللجوء للخداع لجعْل خصمكم في وضعية السيطرة  ظاهِرِيا بحيث لا يستطيع تحمُّلَها ، على شرط أن تتوفَّروا على المستوى الضروري  للإستفادة  من الفرصة .

على أنه في الصالة ، تدور المواجهات بصفة غريبة .  بعض الممارسين الذين لَدَيْهم  كي قليل الفعالية ،  إغتِنامًا منهم لفرصة التحكّم في الضربات حيث تجعلهم في منأى من ضربات مفاجئة ، أو ليست لديهم الكفاءة  لَتَقْدير  قيمة  كي الخصم ، البعض إذن يندفعون إلى الأمام في جميع الأحوال ، حتى في حالة مواجهة خصم مُسَيْطِر بصفة كبيرة .

أمام هذا النوع من التصرف ، كونوا متسامحين مع المبتدئ ، لكن إذا تعلّق الأمر بحامل الحزام الأسود (" يُدانْشا") ، فلقَنوا له الضربة القاضية التنفسية بواسطة ضربة مُركَّزة على عضلات البطن  ( رغم أنها مؤلمة ، فهي ليس لها أي أثر سلبي) . وبذلك سيَعي ببطلان استراتيجية مبنية على بَواكير( إشارات أوّلية) خاطئة .

إذا لم تستطيعوا جعل الخصم في وضعية السيطرة ظاهريا ، فالنتيجة واضحة : تقنيتكم فيها تقصير أو الكي لديكم  أدنى من كي الخصم رغم استنتاجاتكم .
كيفما كان الحال خلال الكوميطي ، و رغم صعوبات التهيئ  الجدّي في الصالة ، فإن التمهيدات للمواجهة الحقيقية  وتدبيرها النفسي  تكتسي أهمية بالغة .
لَنتصوّر اعتداء : المُعتدي رجل ضخم ، مفتول العضلات وواثق من نفسه  . فريسته امرأة شابة ، نحيلة وأقل قامة . حصيلة الأكياي تبدو في صالح الرجل . لكن المرأة لم تُهزَم بعد .

لِنتفحّص الرجل أولا :

ثقته بنفسه ما هي إلا سطحية إنه يعلم بانخراطه في عمل مشْجوب ، ذهنه مرتبِك ، هو في حالة تردّد ، عزمه ليس مُطْلَقا وعدة أحداث طارئة يمكنها أن تنقص من عزمه بل لِشَلِّه . لاحظوا الممارسين عند التدريب . في ضربة رِجل مُنفَّذة بقناعة ، نحسّ بأن جسمه كله يندفع في العملية ، لذلك فالتحرك بآيومي آشي (إلى الأمام) يُعَزّز جدا القوة عند الإصدام . إذا كان العزم غائبا ، فالتحرك ينقطع في نصف المسافة لإيصال الضربة ثم  يتواصل لَوضْع القدم على الأرض. لا مجال للمقارنة بتاتا للفعالية في الحالَتَيْن .

على نفس النّهج ، الدّفع باليد أو الضرب بتقنية تْزوكي بحزم تكونان مفروقتين بصلابة الرِّجل الخلفية المُثَبَّة قويا بالأرض و هارا  إلى الأمام . لكن ، لن نَتَحصَّل على هذه المُتغيّرات بدون وجود العزيمة.
المعتدي ليست لديه بالضرورة تقنيات لا عيب فيها و إن ضَعُفَت عزيمته بقليل ، فالتخلّي عن فِعْله ليس ببعيد .

لِنتفحّص المرأة :

إن ذهنها جاهز ، تسْتَبين النوايا الدفينة للمعتدي ، تلاحظ بجلاء حركاته القَبْلية  وبذلك تستطيع استباق حركاته الهجومية . إن عزيمتها لا تتزعزع ( كيف لا، أمام واقع محاولة الإغتصاب ؟) و موْقِفها يبعث الشك في ذهن الرجل.
إن حصيلة الأكياي المُحْتَسّ به من طرفهما قد تغيَّرت شيئا ما ، بل أصبحت لصالح المرأة .
هناك عدة مخارج ممكنة :

• رغم تردّده ، الرجل يتابع فِعلته و  نظرا لحالته النفسية  ، تشكوا ضرباته ومَسَكاته من نقص في الفعالية ، مما يتيح للمرأة ، المُسْتعِدّة جيدا ، بتلقينه العقوبة المُسْتَحَقّة ، أو الهروب بسهولة إن فضّلَت ذلك .
• المعتدي يقرر إنهاء تحرّشاته . ربما سيذهب بسرعة إلى حال سبيله أو بالتأكيد سيغير هدف فِعْلته بالقَوْل بأنها كانت مجرّد مَزْحَة !
• الضحية ، التي تتيح لها جاهزية ذهنها بأن تسْتَشِفّ الحلول بسرعة ، تقدّم للمعتدي بابا للخروج من المأزِق . إنه أحسن حلّ أمام المعتدي  الذي لا يجرأ  بالإعتراف بهزيمته  ( وقد تمّت زعزعة استقراره النفسي) هذا الحل يمكن أن يكون بعض الكلمات المُختارة أو حركة احْتِقارية مصحوبة بنصف دورة والإبتعاد بِخُطى ثابتة . الخيال هنا يعطي مجالا واسعا للتصرف .

هذه الحالة تبدو مثالية في ما يخص الضحية التي ، في مثالنا ، تملك كل الخصال . غير أن في عدة حالت إعتداء  من بين التي حُكِيَ لي عنها كان الحل يتجسّد في السيطرة الذهنية وفي عزيمة كاملة رغم   تهيئ  و استعداد ات ربما لم تكن مثالية .

طريقة العمل التي أقترح عليكم ، لا تحتاج إذن إنهاءها بالكامل للتحصل على  نوع من الفعالية.  أيُّ تحصّل مستقبلي في ذلك هو يزيد في رصيدكم القتالي (زيادة حبل في القَوْس) . على شرط عدم إهمال أي شيء  ، وتنمية جوانب الكي المتنوّعة ، لأنه إذا كان في استطاعة ممثِّل جيّد تقمّص شخصية الساموراي المتوفِّر على كي قوي ، فذلك مجرَّد تقليد زائِف ولا شيئا آخرا . في حالة واقعية ، الخدعة ستتعرَّض للتشهير بسرعة .
الكي القوي يَتَولّد من اقتران القدرات التقنية و البدنية و الذهنية . إن البحث عن الإتقان في واحد من الميادين التقليدية الثلاتة لتقييم الممارسة ( شين ، جي ، طاي : الذهن ، التقنية ، الجسم) وإهمال الميادين المتبقية لا يصلح لشيء . بل حتى التنمية القصوى للميادين الثلاثة دون الربط بينها لن تكون لها أي فائدة . يجب أن يكون اتحاد الذهن والجسد هو أوْلَوِيَتُكم .

نقطة أخيرة يجب التأكيد عليها : الكي ليس شيئا خارجا عنكم . الكي هو بداخلكم . الكي هو أنْتُم . عليكم بالإحساس به يعيش بداخلكم كما تحسّون بنبضات قلبكم , هذا الكي ،  الطاقة الأساسية التي تُدْرِكون حماسها في أحشائكم ، هو منبع حوافزكم  و هواياتكم وحماستكم  وكل استعدادات  تُمَكّن من مسح جميع العقبات التي تواجهها بكم الحياة .  خاصة ، لو ذلك كان ضروريا ، أنكم تتوفرون على تقنية يسمح بتجسيده بفعالية ، بدنِيا و تقنيا. إن الكي يستحق عناية غيورة. غير أن هذه العناية لا يجب أن تنصبّ على الجانب الطاقي للكي  لوحده بل على جميع إعْداداته ,  في الواقع ، على العناية أن تنصَبّ عليكم ككل لأن الكي هو أساس امْتِلاء وتَمام وجودكم .

• بدون كي ، أنتم مجرّد جُثَّة
• مع كي متوسط ، أنتم في الموتسط : خروف أو إنسان ميّت يمشي بين الأحياء
• مع كي متفتّح بالكامل ، أنتم تعيشون بالفعل.

إختاروا !

وتصرَّفوا ،لأن الكي هو نتيجة تراكم زاخر من الشروط المُسبَقَة التي لا يمكن التغاضي عن أهميتها .

للتذكير :

• جسم رشيق ، قوي وحساس، تتنقَّل بداخله الطاقة بدون عائق
• ذهن مُتَخَلِّص من شياطينه (الأفكار و التصرفات المُسْبَقة ، المشاعر، الإعتقادات والإلتباسات) و دَوْما جاهزا.
• عزيمة لا تتزعزع تحت قيادة الفلسفة الأخلاقية للبودو : السِّلْم ، العدل ، السَّكينة ، التواضع ، الحِلْم ، الصراحة .
• التمَكُّن  التام من التقنية الحربية و المُحاففظة عليها بتدريب مُنْتَظَم .

لا شيء في هذا البرنامج يفوح برائحة الروحانية الخرافية . الكل في المُتناول . يكفي فقط استثمار الذات لتحقيق نتائج عَمَلية .غير أن بساطة هذا العرض يمكن أن تؤدي إلى الظن بسهولة التحقيق و التطبيق . لا تخدعوا نفسكم ، إن  المهمة  ضخمة و حياة كاملة غير كافية.

على أنه في عالمٍ كل واحد يبحث فيه عن معنى للحياة ، هل مِن شيء أكثر تحفيز وتحميس من غير هذا البحث عن الكمال ؟
هذا البحث عن الكمال ليس فيه  من الزُّهْدِ شيئ ، لأن الكي القوي و المتناسق يُخَوِّل لكم حيوية و فَرَحا  بالعيش .

Sakura Sensei

قُمْتُ بترجمته عن موقع :
http://www.goshinbudokai.fr/ki.html

مع تحيات ، عبد القادر اجبيرة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://shotokan.ahlamontada.com
 
الكي (الجزء الثاني و الأخير)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دليلك في الشوطوكان :: مقالات حول المفاهيم العامة :: مفاهيم عامة-
انتقل الى: